محمد بن جعفر الكتاني

324

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

العربي ابن الكبير مؤدب الصبيان بمكتب مولانا إدريس ، وجدناه واقفا بباب السلسلة ، فسلمنا عليه ؛ فقال : الحاج العربي يقف معي ، وهذا يمشي في حاله . يعني يتخلق بالعلم فيعيب الناس عليه وقوفه معي ، وهذا لا يبالي » . ه . وقال فيه في " سلوك الطريق الوارية " : « ومنهم : الشيخ المتجرد ، الجامع بين السلوك والجذب ، والجذب أغلب : أبو عبد اللّه سيدي الحاج عبد الواحد الزنبور ، كان - رحمه اللّه - في أول أمره من أكابر اللصوص في وقته ، ومن أهل الخمر والدخان والحشيش ، وكانت له تباعة ، وكان اجتماعهم على الدوام عند ضريح الشيخ سيدي حرازم بالسخونات ، ثم وقع له ما وقع مع ذلك الشيخ ، وتاب إلى اللّه تعالى وسافر للحج ؛ فحج ودخل تونس ولقي بها من لقي من أهل الخير ؛ كسيدي أبي العظام ، وسيدي علي عزوز صاحب العناية الربانية ، وأمثالهما ، ثم رجع إلى فاس على غير الحالة التي خرج عليها ؛ فكان متجردا عن الدنيا وزينتها ، ويمشي دائما في قشابة خضراء من غير حائك ، وبرأسه طربوش ، ولم يلبس النعل قط ، ودائما يحمل أحناك البهائم الجيف وغيرها حميرا وبغالا وأفراسا ، لا يطرحها عنه لحظة واحدة ، حتى مات وكان إذا ظهرت جيفة أخذ أحناكها وطرح أحناك التي قبلها بداره ، حتى توفي عن كثير من تلك الأحناك ، وتركها مرتبة في داره ، وهي السيرة التي أخذها عن الشيخ أبي العظام دفين تونس وكان له [ 286 ] كلاب وقناجير عظام بقصد الصيد ، معدة له مسجونة عنده ، وأصحابه يأتونها بلحوم تلك الجيف المنزوعة الأحناك » . « وأكثر الناس القول فيه على شأن تلك الأحناك التي يحمل في ذراعه ، حتى قالوا : إنه لا يصلي قط ، ولا يدخل المسجد ، ولا رأوه فيه قط ، ولو في الجمعة . واحتج عليه بذلك قاضي الوقت سيدي علي بن العلامة سيدي عبد الواحد بو عنان ، وقبضه وضربه ، وطوقه وسجنه على أن يطرح تلك الأحناك ؛ فأبى إلا حملها ، وبقي في السجن أياما حتى بعث إلى القاضي المذكور سيدي أحمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي ، وكانت داره مثوى للمجاذيب في وقته ، كلهم يأوون إليها ، وقال له : هذا سوق غير سوقك ، فاترك عنك الزنبور ، ولا تتعرض له في شيء قبل أن تلدغك الزنابير . فلم يبال القاضي بكلامه ، حتى وقع له ما وقع في فضيحة لا ينبغي ذكرها ، فكان الزنبور بعد ذلك يلقاه ويقول له : ما أنا بقاض ، وإنما أنا زنبور ! ؛ وكان من عادته أنه يطلب من خصوص الناس الفلس والموزونة ، ويعطي ذلك للضعفاء من آل البيت » . « توفي - رحمه اللّه - سنة خمس وسبعين ومائة وألف وأوصى بالدفن في داره ، فدفن بها بعقبة الفئران ، وصارت زاوية لأصحابه يجتمعون بها ، وكانت له جنازة عظيمة حضرها الخاص والعام من الناس » . انتهى ملخصا ، وانظره فقد أطال في ترجمته ، وذكر له فيها عدة كرامات ، وانظر أيضا له ترجمة أخرى في " الروضة المقصودة " لسيدي سليمان الحوات .